الشوكاني
302
فتح القدير
أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فأخرجوا إليه واكتموا ، فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم ، فأنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ) الآية . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن أبي قتادة قال : نزلت هذه الآية ( لا تخونوا الله والرسول ) في أبي لبابة بن عبد المنذر سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر ؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح فنزلت . قال أبو لبابة : ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله . وأخرج سنيد وابن جرير عن الزهري نحوه بأطول منه . وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا لبابة إلى قريظة وكان حليفا لهم ، فأومأ بيده أنه الذبح فنزلت . وأخرج أبو الشيخ عن السدي في هذه الآية أنها نزلت في أبي لبابة ونسختها الآية التي في براءة - وآخرون اعترفوا بذنوبهم - وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( لا تخونوا الله ) قال : بترك فرائضه ( والرسول ) بترك سننه وارتكاب معصيته ( وتخونوا أماناتكم ) يقول : لا تنقصوها والأمانة : الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد . وأخرج ابن جرير عن المغيرة بن شعبة قال : نزلت هذه الآية في قتل عثمان ، ولعل مراده أن من جملة ما يدخل تحت عمومها قتل عثمان . وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب في الآية قال : هو الإخلال بالسلاح في المغازي ، ولعل مراده أن هذا مما يندرج تحت عمومها . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال : ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة ، لأن الله يقول ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مضلات الفتن . وأخرج هؤلاء عن ابن زيد في الآية قال : فتنة الاختبار اختبرهم ، وقرأ - ولنبلونكم بالشر والخير فتنة - . سورة الأنفال الآية ( 28 - 29 ) جعل سبحانه التقوى شرطا في الجعل المذكور مع سبق علمه بأنهم يتقون أو لا يتقون جريا على ما يخاطب به الناس بعضهم بعضا ، والتقوى : اتقاء مخالفة أوامره والوقوع في مناهيه ، والفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل ، والمعنى : أنه يجعل لهم من ثبات القلوب ، وثقوب البصائر ، وحسن الهداية ما يفرقون به بينهما عند الالتباس ، وقيل الفرقان المخرج من الشبهات والنجاة من كل ما يخافونه ، ومنه قول الشاعر : مالك من طول الأسى فرقان * بعد قطين رحلوا وبانوا ومنه قول الآخر : وكيف أرجى الخلد والموت طالبي * وما لي من كأس المنية فرقان وقال الفراء : المراد بالفرقان الفتح والنصر . قال ابن إسحاق : الفرقان الفصل بين الحق والباطل ، وبمثله قال ابن زيد ، وقال السدي : الفرقان النجاة ، ويؤيد تفسير الفرقان بالمخرج والنجاة قوله تعالى - ومن يتق الله يجعل له مخرجا - وبه قال مجاهد ومالك بن أنس ( ويكفر عنكم سيئاتكم ) أي يسترها حتى تكون غير ظاهرة ( ويغفر لكم ) ما اقترفتم من الذنوب ، وقد قيل إن المراد بالسيئات الصغائر ، وبالذنوب التي تغفر الكبائر ، وقيل المعنى أنه يغفر